الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
437
نفحات الولاية
القسم الثاني أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا ، وَلَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا ، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا . وَايْمُ اللَّهِ ، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا ، لِأَنَّ « اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » . وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهمْ ، وَوَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهمْ ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ ، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدِ . وَإِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةِ . وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً ، كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ . وَمَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ اقُولَ لَقُلْتُ : عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ! الشرح والتفسير : صدق النيّة مع اللَّه خاطب الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة الناس كافة وذكرهم بأربع نقاط مهمّة ، لها بالغ الأثر في حياة الناس ، فقال في النقطة الأُولى : « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَالْمُخْلِدَ « 1 » إِلَيْهَا ، وَلَا تَنْفَسُ « 2 » بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا ، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا » . لما كان حبّ الدنيا كما ورد في الحديث رأس كل خطيئة فقد شرع الإمام عليه السلام بحبّ الدنيا . الجدير بالذكر أنّه لم يرد ذم لمن حصل على الدنيا بل على
--> ( 1 ) . « مخلد » من مادة ( خلد وخلود ) الشخص الذي يسكن مكاناً بصورة دائمية وتشير في العبارة إلى من التصقبالدنيا ( 2 ) . « تنفس » من مادة ( نفاسة ) بمعنى الثمين ، ووردت هنا ، بمعنى الأهميّة